محمد علي سلامة

107

منهج الفرقان في علوم القرآن

« ويمتاز الجمع في عهد أبى بكر بأمور » : ( أولها ) : أنه اقتصر على ما لم تنسخ تلاوته . ( ثانيها ) : أنه لم يقبل فيه إلا ما أجمع الجميع على أنه قرآن وتواترت روايته ولم تقبل فيه رواية الواحد ولذا ردت رواية عمر في آية الرجم لأنها لم تتواتر وأما آخر براءة التي قيل فيها « فلم أجدها مع غيره » فالمراد أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة وذلك لا ينافي أنها كانت محفوظة لجمع كثير يتحقق بهم التواتر فنقلها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتواتر . ( ثالثها ) : إنه لم ينقل فيه إلا ما كان مكتوبا بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . « وقد قيل » إن ثبوت الروايات الدالة على أن أبا بكر رضى اللّه عنه أول من جمع القرآن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينافي ما ورد من أن عليا رضى اللّه عنه أول من جمع القرآن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويؤيد ذلك ما نقله السيوطي عن ابن الضريس من حديث محمد بن سيرين عن عكرمة قال : « لما كان بدء خلافة أبى بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبى بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال : أكرهت بيعتي ، فقال لا واللّه ، قال ما أقعدك عنى ؟ قال رأيت كتاب اللّه يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه ، قال له أبو بكر فإنك نعم ما رأيت قال محمد فقلت لعكرمة ألفوه كما أنزل الأول فالأول : قال لو اجتمعت الأنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا » وأخرج هذا الأثر ابن اشته من وجه آخر عن ابن سيرين وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ وأن ابن سيرين قال فطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه فهذه الرواية صريحة في أن عليا كتب مصحفا في بدء خلافة أبى بكر فيتعين أن يكون المراد بالجمع الذي قاله على في الروايات السابقة كتابة القرآن في مصحف وذلك ينافي ما ثبت من أن أول من جمع القرآن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبو بكر . « ويجاب عن ذلك » : بأن عليا وغيره ممن كتبوا المصاحف إنما كتب كل واحد منهم معتمدا على محفوظه وروايته ولم يقتصر على المتواتر وغير منسوخ التلاوة وأما أبو بكر فكان أول من جمع القرآن واقتصر فيه على ما أجمع عليه الجميع وتواترت روايته عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ووجد مكتوبا في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم واقتصر فيه على ما لم تنسخ تلاوته بخلاف جمع على وغيره ما تقدم .